محمد بن جرير الطبري
80
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
يَفْتَرُونَ قال : ما كانوا يدعون معه من الأَنداد والآلهة ، ما كانوا يفترون الآلهة ، وذلك أنهم جعلوها أندادا وآلهة مع الله افتراء وكذبا . القول في تأويل قوله تعالى : قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ . . . مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : قُلْ يا محمد لهؤلاء المشركين بالله الأَوثان والأَصنام مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ الغيث والقطر ويطلع لكم شمسها ويغطش ليلها ويخرج ضحاها . وَ من الْأَرْضِ أقواتكم وغذاءكم الذي ينبته لكم وثمار أشجارها . أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ يقول : أم من ذا الذي يملك أسماعكم وأبصاركم التي تسمعون بها أن يزيد في قواها أو يسلبكموها فيجعلكم صما ، وأبصاركم التي تبصرون بها أن يضيئها لكم وينيرها ، أو يذهب بنورها فيجعلكم عميا لا تبصرون . وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ يقول : ومن يخرج الشيء خروج الحي من الميت . وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ يقول : ويخرج الشيء الميت من الحي . وقد ذكرنا اختلاف المختلفين من أهل التأويل والصواب من القول عندنا في ذلك بالأَدلة الدالة على صحته في سورة آل عمران بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع . وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ وقل لهم : من يدبر أمر السماء والأَرض وما فيهن وأمركم وأمر الخلق . فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ يقول جل ثناؤه : فسوف يجيبونك بأن يقولوا الذي يفعل ذلك كله الله . فَقُلْ أَ فَلا تَتَّقُونَ يقول : أفلا تخافون عقاب الله على شرككم وادعائكم ربا غير من هذه الصفة صفته ، وعبادتكم معه من لا يرزقكم شيئا ولا يملك لكم ضرا ولا نفعا ولا يفعل فعلا . القول في تأويل قوله تعالى : فَذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ . . . تُصْرَفُونَ يقول تعالى ذكره لخلقه : أيها الناس ، فهذا الذي يفعل هذه الأَفعال ، فيرزقكم من السماء والأَرض ويملك السمع والأَبصار ، ويخرج الحي من الميت والميت من الحي ، ويدبر الأَمر ؛ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ لا شك فيه . فَما ذا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ يقول : فأي شيء سوى الحق إلا الضلال وهو الجور عن قصد السبيل . يقول : فإذا كان الحق هوذا ، فادعاؤكم غيره إلها وربا هو الضلال والذهاب عن الحق لا شك فيه . فَأَنَّى تُصْرَفُونَ يقول : فأي وجه عن الهدى والحق تصرفون وسواهما تسلكون وأنتم مقرون بأن الذي تصرفون عنه هو الحق . القول في تأويل قوله تعالى : كَذلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لا يُؤْمِنُونَ يقول تعالى ذكره : كما قد صرف هؤلاء المشركون عن الحق إلى الضلال ، كَذلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ يقول : وجب عليهم قضاؤه وحكمه في السابق من علمه ، عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا فخرجوا من طاعة ربهم إلى معصيته وكفروا به ؛ أَنَّهُمْ لا يُؤْمِنُونَ يقول : لا يصدقون بوحدانية الله ولا بنبوة نبيه صلى الله عليه وسلم . القول في تأويل قوله تعالى : قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلِ اللَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : قُلْ يا محمد هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ يعني من الآلهة والأَوثان مَنْ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ يقول : من ينشئ خلق شيء من غير أصل ، فيحدث خلقه ابتداء ثم يعيده ، يقول : ثم يفنيه بعد إنشائه ، ثم يعيده كهيئته قبل أن يفنيه ؟ فإنهم لا يقدرون على دعوى ذلك لها . وفي ذلك الحجة القاطعة والدلالة الواضحة على أنهم في دعواهم أنها أرباب وهي لله في العبادة شركاء كاذبون مفترون . ف قُلْ لهم حينئذ يا محمد : اللَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ فينشئه من غير شيء ويحدثه من غير أصل ثم يفنيه إذا شاء ، ثُمَّ يُعِيدُهُ إذا أراد كهيئته قبل الفناء . فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ